رحلة البحث عن "الجنة"
كان سمير الشاب ذو الـ22 ربيعاً، يجلس كل مساء على صخرة تطل على شاطئ مدينته
الصغيرة. لم يكن ينظر إلى الأمواج بكونها لوحة فنية، بل كان يراها طريقاً معبداً
نحو حياة يظنها خلف الأفق. ضجيج المقاهي، والبطالة التي تنهش أحلام أصدقائه، وحديث
"فلان" الذي عاد بسيارة فاخرة في الصيف، كلها كانت وقوداً لنار مشتعلة في صدره.
القرار الصعب في ليلة بلا قمر، قرر سمير أن يبيع "دراجته النارية" التي ورثها عن
والده، وجمع كل ما تملكه والدته من مدخرات بسيطة كانت تخبئها "لليوم الأسود". لم
يكن يعلم أن ذلك اليوم هو ذاته الذي سيودعها فيه. "سأعود يا أمي وأبني لكِ بيتاً
كما تحلمين، سأجعلكِ أميرة"، قالها وهو يقبل يدها المرتجفة، بينما كانت هي تشعر
بغصة لا يداويها مال العالم. في عرض البحر (قارب الموت) في الساعة الثالثة فجراً،
وجد سمير نفسه وسط 30 شاباً آخرين فوق قارب مطاطي (زودياك) لا يتسع لأكثر من عشرة.
الخوف: كان يغلف الوجوه، لا أحد يتحدث، فقط صوت المحرك وارتطام الموج. المفاجأة:
بعد ساعتين من الإبحار، بدأ المحرك يصدر أصواتاً غريبة، وتسربت المياه إلى القارب.
انقلبت الأحلام إلى كوابيس؛ الصراخ ملأ المكان، والظلام كان دامساً لدرجة أن أحداً
لم يدرِ أين اليابسة. المواجهة مع الحقيقة تمكنت فرق الإنقاذ من العثور عليهم في
الرمق الأخير. لم يصل سمير إلى إسبانيا ببدلة أنيقة كما تخيل، بل وصل ببطانية
حرارية وجسد يرتجف من البرد والمهانة. وجد نفسه في "مركز إيواء" محاطاً بأسلاك
شائكة، لا عمل، لا أوراق ثبوتية، ولا مستقبل واضح. هناك، في زاوية باردة، تذكر سمير
كلمات جاره القديم: "الغربة ليست في المكان، بل في ضياع الكرامة". العبرة من القصة
الهجرة ليست مجرد عبور بحر، بل هي مقامرة بالحياة. الكثير من الشباب يكتشفون
متأخرين أن: النجاح خلف البحار يتطلب مجهوداً مضاعفاً عما يتطلبه في الوطن، وبدون
حماية قانونية. الأهل هم الثروة الحقيقية التي لا تعوضها اليورو والدولار.
Comments
Post a Comment