داخل وكالة كاش بليس
في حي صاخب بمدينة الدار البيضاء، كانت وكالة "كاش بليس" التي يديرها "عمر" تبدو مكاناً عادياً للحوالات المالية، لكن خلف جدرانها كان ينمو صراع صامت. "عمر"، الرجل الطموح الذي بنى عمله بجهد، كان يعتمد كلياً على مساعدته "ليلى"، الشابة النشيطة والذكية التي كانت تدير الحسابات بدقة متناهية.
مع مرور الوقت، لم تعد "ليلى" بالنسبة لعمر مجرد موظفة؛ أصبحت هي المحور الذي تدور حوله حياته. كان يراقب حركاتها، طريقة حديثها مع الزبائن، وحتى ضحكاتها العابرة. استسلم عمر لوهم "الحب"، لكنه كان حباً من طرف واحد، تملكيّاً ومغلفاً بالغيرة المرضية.
بدأ التوتر يزداد عندما لاحظ عمر أن ليلى أصبحت تتلقى مكالمات هاتفية متكررة وتغادر الوكالة بابتسامة لم تكن تظهرها له. في عقله المنهك بالهوس، بدأ ينسج قصصاً عن وجود شخص آخر في حياتها. كانت الغيرة تنهش قلبه كلما رأى زبوناً يطيل الحديث معها أو يبتسم لها.
في أحد الأيام، دخل شاب وسيم إلى الوكالة ودار بينه وبين ليلى حديث قصير تخللته ضحكات خفيفة. من وراء مكتبه الزجاجي، كان عمر يراقب المشهد، وعروقه تنبض بالغضب. اعتبر تلك الابتسامة "خيانة" لمشاعره التي لم يعترف بها أصلاً.
بعد إغلاق الوكالة في ذلك المساء، طلب عمر من ليلى البقاء لمراجعة "حسابات عالقة". ساد الصمت الثقيل، قبل أن ينفجر عمر فجأة:
- "من كان ذلك الشاب؟ ولماذا تضحكين معه بتلك الطريقة؟"
نظرت إليه ليلى باستغراب وقالت: "إنه مجرد زبون يا سيدي، ما بك؟"
لكن كلمات عمر بدأت تتصاعد، معبراً عن حبه المسموم وغيرته القاتلة. شعرت ليلى بالخوف وحاولت المغادرة، قائلة إنها لا تقبل هذا التدخل في حياتها الخاصة وأن علاقتها به لا تتعدى العمل.
كلمة "الرفض" كانت هي الرصاصة التي أطلقت سراح الوحش داخل عمر. في لحظة جنون وفقدان تام للسيطرة، ومع شعوره بأن ليلى لن تكون له أبداً، اندفع نحوها. لم يعد يرى أمامه المساعدة الوفية، بل رأى "الجمال الذي يرفضه".
في تلك اللحظة المظلمة، وتحت وطأة الغيرة التي أعمت بصيرته، تحولت المشاجرة إلى عنف. انتهى الأمر بجريمة هزت الحي، حيث سقطت ليلى ضحية لهوس رجل لم يعرف كيف يحب، بل عرف كيف يتملك.
استفاق عمر على هول ما فعل، وسط صمت الوكالة المطبق، ليجد نفسه قد خسر كل شيء: حلمه، مستقبله، والإنسانة التي ادعى يوماً أنه يحبها، وارادة قتل نفسه تاركاً خلفه قصة حزينة عن كيف يمكن للغيرة أن تقتل أغلى ما نملك.
Comments
Post a Comment